تساؤلات عن حكم نفقة المتعة للمرأة حال طلاقها من زوجها، وهل تسقط هذه النفقة في حال طلبت المرأة الطلاق للضرر؟
وجاء في نص السؤال: "ما حكم نفقة المتعة لمن طلبت الطلاق للضرر؟ فقد أقامت امرأة دعوى عند القاضي تطلب فيها الطلاق من زوجها للضرر، فما حكم إعطائها المتعة بعد الطلاق؟ وهل طلبها الطلاق للضرر يُعدُّ رضا منها بالطلاق فيسقط حقها في المتعة؟".
وأجابت دار الإفتاء المصرية بقولها إن متعة الطلاق هي عبارة عن مال يدفعه الزوج لفترة معينة لامرأته التي طلقها بعد الدخول، وهي نفقة سنتين على الأقل، على حسب حال الزوج يُسرًا أو عُسرًا، ويرجع في تقديرها إلى التراضي بين الطرفين أو إلى القضاء في حال النزاع، ويشترط للمتعة ألا يكون الطلاق من قِبَل المرأة ولا بسبب منها، فإذا كان الطلاق برضاها أو من قبلها سقطت المتعة، أمَّا إذا كان الطلاق بناءً على طلبٍ من المرأة لتضررها، فلا تسقط المتعة حينئذ لانتفاء معنى الرضا -من جانب المرأة- المشروط في إسقاط المتعة.
المراد بنفقة المتعة لـ المرأة
المراد بمتعة المطلقة: ما يعطيه المُطَلِق للمُطَلَّقة، إعانةً لها وجبرًا لخاطرها لحصول الوحشة والألم الذي لحقها بسبب الفراق. ينظر: "شرح مختصر خليل" للعلامة الخرشي (4/ 87، ط. دار الفكر)، و"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (4/ 398، ط. دار الكتب العلمية).
اقرأ ايضا:
حكم عدم رؤية السلعة قبل الشراء والدفع عند الاستلام
حكم نفقة المتعة للمطلقة ومقدارها
المُتعة واجبة اتفاقًا في حالة الطلاق قبل الدخول ولم يسم للمرأة مهرًا، وفي غير هذه الحالة يرى جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة في رواية أنها مستحبة، قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241].
قال العلامة القدوري الحنفي في "مختصره" (ص: 147، ط. دار الكتب العلمية): [وتستحب المتعة لكل مطلقة إلَّا لمطلقة واحدة وهي: التي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرًا] اهـ.
وقال العلامة ابن رشد المالكي في "بداية المجتهد" (3/ 117، ط. دار الحديث): [وأما مالك فإنه حمل الأمر بالمتعة على الندب لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] أي: على المتفضلين المتجملين، وما كان من باب الإجمال والإحسان فليس بواجب] اهـ.
وقال العلامة البُهُوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (5/ 158، ط. عالم الكتب): [(وتستحب) المتعة (لكل مطلقة غيرها) أي: غير المفوضة التي لم يفرض لها] اهـ.
بينما يرى الشافعية أنَّ متعة المطلقة واجبة، وهو قولٌ للإمام أحمد، واختاره الشيخ ابن تيمية.
قال الإمام الرُّويَاني الشافعي في "بحر المذهب" (9/ 523، ط. دار الكتب العلمية): [المتعةُ واجبةٌ لكلِّ مطلَّقةٍ إلَّا لمطلَّقةٍ واحدةٍ، وهي المطلقة قبل الدخول، ولها مهرٌ مسمًّى] اهـ.
اقرأ ايضا:
الأزهر يوضح حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
وقال الإمام المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" (21/ 278- 279، ط. دار هجر): [وإن دخل بها، استقر مهر المثل، فإن طلقها بعد ذلك، فهل تجب المتعة؟ على روايتين، أصحهما، لا تجب. وكذا قال فى "الهداية"، و"المستوعب"، وغيرهما. وهو كما قالوا. وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. وصححوه. وجزم به فى "الوجيز" وغيره. وقدمه فى "الفروع" وغيره. والرواية الثانية، تجب لها المتعة. نقل حنبل، لكل مطلقة متعة. واختاره الشيخ تقى الدين] اهـ.
أما مقدار المتعة فلم يرد به نصٌّ صريح، لكن الوارد هو اعتبار حال الزوج يسرًا وعسرًا، والدليل على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236]، وهي بذلك ترجع إلى العرف وتقدير حال الزوج.
قال العلامة الخرشي في "شرح مختصر خليل" (4/ 87): [المشهور من المذهب أنَّ المتعة... تكون على قدر حال الزوج فقط ولو كان عبدًا؛ لأن الإذن له في النكاح إذن في توابعه لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وإنما روعي قدر حاله فقط؛ لأن كسرها جاء من قبله فقط، فيراعى جبرها منه] اهـ.
وقال العلامة البُهُوتي في "كشاف القناع" (5/ 158): [المتعة (معتبرة بحال الزوج في يساره وإعساره: على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)] اهـ.
حكم نفقة المتعة لمن طلبت الطلاق للضرر
مع القول بأن المتعة من توابع الطلاق سواءٌ على وجه الوجوب أو الاستحباب إلا أنه يشترط لها ألا يكون الطلاق من قِبَل المرأة ولا بسببها، كأن يكون الطلاق خلعًا أو على الإبراء.
وقد نصَّ فقهاء المذاهب الأربعة على أن كل فُرقَةٍ من قِبَل المرأة أو بسببها تسقط بها المتعة؛ لأن الفرقة من قِبل المرأة تسقط المهر فوجب أن تسقط بها المتعة من باب أولى.
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (2/ 303، ط. دار الكتب العلمية): [وكل فرقة جاءت من قبل المرأة، فلا متعة لها؛ لأنه لا يجب بها المهر أصلا، فلا تجب بها المتعة] اهـ.
اقرأ ايضا:
أفضل الأعمال يوم الخميس وليلة الجمعة.. زود عداد حسناتك
وقال العلامة ابن جزي المالكي في "القوانين الفقهية" (ص: 159، ط. دار ابن حزم): [ولا متعة في كل فراق تختاره المرأة، كامرأة المجنون والمجذوم والعنين والأمة تعتق تحت العبد ولا في الفراق بالفسخ ولا المختلعة ولا الملاعنة] اهـ.
وقال الإمام الرافعي الشافعي في "العزيز شرح الوجيز" (8/ 331، ط. دار الكتب العلمية): [إن كانت الفُرقة مِن جهةِ المرأة، أو بسببٍ فيها لم تجب المتعةُ] اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة الحنبلي في "المقنع" (ص: 322، ط. مكتبة السوادي): [وكل فرقة جاءت من قبلها، كإسلامها، وردتها، ورضاعها من ينفسخ به نكاحها، وفسخها لعيبه، أو إعساره، وفسخه لعيبها يسقط به مهرها ومتعتها] اهـ.
وقد نصَّ المشرع المصري في المـادة 18 (مكرر) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929م المضافة بالقانون رقم 100 لسنة 1985م على أنَّ [الزوجة المدخول بها في زواج صحيح إذا طلقها زوجها دون رضاها ولا بسبب من قِبَلِها: تستحق فوق نفقة عدتها متعةً تقدر بنفقة سنتين على الأقل، وبمراعاة حال المطلِّق يُسرًا أو عُسرًا، وظروف الطلاق، ومدة الزوجية، ويجوز أن يرخص للمطلِّق في سداد هذه المتعة على أقساط] اهـ.
وجاء في المذكرة الإيضاحية (ص: 23، ط. دار روائع القانون) بشأن المادة المذكورة أنه: [وكان إيجاب المتعة هو مذهب الشافعي الجديد، حيث أوجبها للمطلقة بعد الدخول إن لم تكن الفرقةُ منها أو بسببها، وهو قول لأحمد اختاره ابن تيمية، كما أن إيجابها مذهب أهل الظاهر، وهو قول لمالك أيضًا، وعلى هذا وُضِع نص المادة 18 (مكررًا) بمراعاة ضوابط أقوال هؤلاء الأئمة] اهـ.
فإذا لم يرَ الطرفان اللجوء إلى القضاء فإن نفقة المتعة حينئذٍ تكون بالتراضي بينهما حسبما يتفقان عليه في ذلك.
اقرأ ايضا:
ساعة الاستجابة في يوم الجمعة في أي وقت تكون؟ (فيديو)
ومع القول بأن من شروط المتعة ألا يكون الطلاق برضا المرأة ولا من قبلها -كما قررنا سابقًا- فإذا كان طلب المرأة للطلاق بسبب تضررها من زوجها، فلا تسقط المتعة حينئذ، فمع أن الطلاق جاء بطلب منها إلا أنها مجبرةٌ على ذلك لدفع الضرر، فينتفي معنى "رضا الزوجة" المشروط لإسقاط المتعة.
فقد جاء في قضاء النقض المصري ما نصه: [المتعة: استحقاق المطلقة لها سواء كان الطلاق من الزوج أو من القاضي نيابة عنه. علة ذلك: لجوء الزوجة إلى القاضي لتطليقها على زوجها بسبب مضارته لها لا يتوافر به الرضا بالطلاق] اهـ. (طعن رقم 6 لسنة 63 قضائية أحوال شخصية، جلسة: 10/ 3/ 1997م).
وبناءً على ذلك وفي السؤال: فإن متعة الطلاق: مال يدفعه الزوج لفترة معينة لامرأته التي طلقها بعد الدخول، وهي نفقة سنتين على الأقل، على حسب حال الزوج يُسرًا أو عُسرًا، ويرجع في تقديرها إلى التراضي بين الطرفين أو إلى القضاء في حال النزاع، ويشترط للمتعة ألا يكون الطلاق من قِبَل المرأة ولا بسبب منها، فإذا كان الطلاق برضاها أو من قبلها سقطت المتعة، أمَّا إذا كان الطلاق بناءً على طلبٍ من المرأة لتضررها، فلا تسقط المتعة حينئذ لانتفاء معنى الرضا -من جانب المرأة- المشروط في إسقاط المتعة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
________________
المصدر: دار الإفتاء المصرية