مع حلول موسم الحج لهذا العام 2026م -1447هـ، يسأل البعض عن الحكم بين العمل على تزويج الأبناء وبين الإسراع لأداء فريضتي الحج والعمرة، وأيهما أولى للبدء به خاصة إذا كان المال لا يكفي الاثنين معا.
وجاء في نص السؤال: "ما حكم تزويج الابن قبل أداء الحج والعمرة؟ فأنا موظف أَدَّخر مبلغًا من المال، وأريد أن أذهب لأداء مناسك الحج والعمرة، ولكن ابني يريد أن يتزوج، ولا يمكنه ذلك وحده، وأُشْفِق عليه، فماذا أفعل؟ هل الحج والعمرة أَوْلَى، أو تزويج الابن؟"
الحج أو تزويج الأبناء:
الأصل أنَّ أداء فريضة الحج مُقدَّم على زواج الابن إذا كانت هذه هي الـمَرَّة الأُولَى التي تقوم فيها بأداء مناسك الحج، أي أنها حَجَّة الإسلام، فكان الأَولَى بالأداء شرعًا، فإن كان الابن لا يطيق الانتظار وخِيفَ عليه الوقوع في الحرام قُدِّم الزواج على الحج بشرط العزم على الخروج لأداء الحج بعد ذلك متى تيسَّر إلى ذلك سبيلًا.
وأَمَّا العمرة فهي سُنَّة يجوز لك المفاضلة بينها وبين زواج الابن أيُّهما أَوْلَى على حسب الحال.
الشرع الشريف يحث على الزواج
مِن المقرر شرعًا أَنَّ الزواج سُنَّة نبوية، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: "جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري.
اقرأ ايضا:
بالفيديو.. حكم امتناع المرأة عن العلاقة مع زوجها بسبب العبادة أو التعب وأشياء أخرى
هل يجوز أكل العصافير .. حلال أم حرام وأنواع الطيور المباح أكلها وأخرى محرم تناولها؟
فبالزواج يحصل للمسلم خير الدنيا والدِّين، وبه تتحقق المودة والرحمة، وبه تَسكُن الشهوة ويصلح الجسد، ويُغض البصر، ويُحفظ الفرج، ويكثر النسل، وتُحفظ الأعراض، وتُصان العورات والأنساب، وفيه الاستنان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبسببه تكون عمارة الأرض، وغيرها من الأمور الأساسية التي لا تتحقق إلا به؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري.
حكم رعاية الآباء لأبنائهم
مِن المعلوم شرعًا وجوب رعاية الآباء للأبناء وتنشئتهم منذ الصِّغَر تنشئة إسلامية راقية، بتعليمهم الفرائض، وصحيح الدين، وتربيتهم على مكارم الأخلاق، وحسن المعاملة، والجود، والكرم، ومساعدة الآخرين، والعطف على الفقراء والمساكين، واحترام الجار، والمعايشة الحسنة بين جميع أفراد المجتمع الواحد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ...» رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم.
يقول الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (12/ 213، ط. دار إحياء التراث العربي): [قَالَ الْعُلَمَاءُ: الرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا قَامَ عَلَيْهِ وَمَا هُوَ تَحْتَ نَظَرِهِ، فَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ تَحْتَ نَظَرِهِ شَيْءٌ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ] اهـ.
وجوب نفقة الأبناء على الأب
من كمال رعاية الأبناء الواجبة على الآباء القيام بنفقتهم، وذلك على حسب العرف السائد وعلى ما يقتضيه الحال من إنفاق مثله على أمثالهم، لذا أجمع العلماء على وجوب نفقة الأطفال الصغار الذين لا مال لهم على الأب، فالابن بَعضُ أبيه، فتلزمه نفقته كما تلزمه نفقة نفسه، وقد نَقَل الإجماعَ على ذلك الإمامُ ابن القَطَّان في كتابه "الإقناع في مسائل الإجماع" (2 55-56، ط. مطبعة الفاروق الحديثة) حيث قال: [أجمع أهل العلم على أن نفقة... الأولاد الأطفال الذين لا مال لهم على أبيهم] اهـ.
كذلك تجب النفقة على الأب لأبنائه الكبار لمن كان منهم مريضًا زَمِنًا يمنعه مرضه مِن القدرة على التَّكسُّب، أو الـمُعْسِر الذي لا مال له على الأب، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233].
وبحديث أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: إنَّ هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم"، فقال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري.
قال الإمام الشافعي في "تفسيره" (1/ 385، ط. دار التدمرية): [فدلَّ كتاب الله وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم أنَّ على الوالد رضاعَ ولده ونفقتَهم صغارًا، فكان الولد مِن الوالد، فجُبر على صلاحه في الحال التي لا يُغْنِي الولد فيها نفسَه] اهـ.
وقال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (4/ 32، ط. دار الكتب العلمية): [جعل الله عز وجل كل النفقة على الأب بقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾] اهـ.
وقال الإمام الغزالي في "الوسيط" (6/ 228، ط. دار السلام) في شرائط استحقاق النفقة: [الأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، وقصة هند معروفة، ولا تُستحقُّ عندنا إلَّا بقرابة البعضية، فتجب للفروع والأصول مع اختلاف الدِّين واتفاقه] اهـ.
وعلى هذا الـمَنحَى الفقهي سار قانون الأحوال الشخصية المصري في تعديله رقم 100 لسنة 1985م، حيث نَصَّ في المادة (18 مكرَّر ثانيًا) على أنه: [إذا لم يكن للصغير مالٌ فنفقته على أبيه، وتستمر نفقة الأولاد على أبيهم إلى أن تتزوج البنت أو تكسب ما يكفي نفقتها، وإلى أن يتم الابن الخامسة عشرة من عمره قادرًا على الكسب المناسب، فإن أتمها عاجزًا عن الكسب لآفة بدنية أو عقلية، أو بسبب طلب العلم الملائم لأمثاله ولاستعداده، أو بسبب عدم تيسير هذا الكسب استمرت نفقته على أبيه، ويلتزم الأب بنفقة أولاده وتوفير المسكن لهم بقدر يساره وبما يكفل للأولاد العيش في المستوى اللائق بهم] اهـ.
هل تجب نفقة تزويج الأبناء على الأب؟
اختلف الفقهاء في دخول نفقة تزويج الأبناء في هذه النفقة بالمعنى السابق، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في روايةٍ إلى عدم وجوب نفقة تزويج الأبناء على الأب.
قال الإمام القُدُوري في "التجريد" (9/ 4498، ط. دار السلام) عند كلامه على إعفاف الابن لأبيه: [قال أصحابنا: لا يجب على الابن إعفاف أبيه]، ثم عَلَّل ذلك بموضوع مسألتنا: [لأنَّ الأب لا يلزمه ذلك لابنه] اهـ، أي: لا يَلزَمه إعفاف ابنه.
وقال العلامة ابن عرفة في "المختصر الفقهي" (5/ 71، ط. مؤسسة خلف أحمد الحبتور): [نفقة الابن تسقط ببلوغه] اهـ. وقال الإمام الجُوَيْنِي في "نهاية المطلب" (12/ 207، ط. دار المنهاج): [لا خلاف أنَّه لا يجب على الأب إعفاف ابنه] اهـ.
وقال العلامة علاء الدين الـمَردَاوي في "الإنصاف" (9/ 404، ط. دار إحياء التراث العربي) في بيان وجوب نفقة تزويج الابن على أبيه من عدمه: [يجب على الرجل إعفاف مَن وجبت نفقته عليه من الآباء والأجداد والأبناء وأبنائهم... وعنه: لا يجب عليه ذلك مطلقًا] اهـ.
بينما ذهب الحنابلة في الصحيح مِن المذهب -وهو من مفردات المذهب عندهم- إلى وجوب إعفاف الابن إذا احتاج للنكاح بشرط أن يكون ممن تلزم الأبَ نفقتُه، وكان غير قادر على تَحمُّل تلك النفقات لعدم قدرته على الكسب، أو لقدرته لكنه لا يقع موقعًا مِن كفايته.
قال الإمام شمس الدين بن قُدَامة المعروف بابن أبي عمر في "الشرح الكبير" (9/ 290، ط. دار الكتاب): [على الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته وكان محتاجًا إلى الإعفاف، ذَكَره أصحابنا، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: لا يجب ذلك. ولنا: أنَّه من عمودَيْ نسَبِه فلزمه نفقته فيلزمه إعفافه عند حاجته إليه] اهـ.
وقال العلامة علاء الدين الـمَردَاوي في "الإنصاف" (9/ 404): [يجب على الرجل إعفاف مَن وجبت نفقته عليه من الآباء والأجداد والأبناء وأبنائهم وغيرهم ممن تجب عليه نفقتهم.
اقرأ ايضا:
هل يجوز مصاحبة الجن المسلم وتسخيره؟ (فيديو)
حكم قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة فقط (فيديو)
وهذا الصحيح من المذهب، وهو من مفردات المذهب وما يتفرع عليها] اهـ.
والمعمول به إفتاءً: أنَّه إذا احتاج الابن إلى النكاح وكان ممن تلزم الأبَ نفقتُه وجب على الأب تَحمُّل نفقة تزويجه على ما ذهب إليه الحنابلة في الصحيح من المذهب.
تعارض نفقة تزويج الأبناء مع فريضة الحج
إذا كان تحمل نفقة تزويج الأبناء واجب على الأب، وكانت نفقة التزويج تتعارض مع نفقة الحج -بحيث إنَّ الأب لم يمكنه الجمع بين نفقة التزويج ونفقة أداء الحج- فإنَّ هذا الأمر يرجع إلى مسألة وجوب الحج على الفورية أو التراخي.
الاستطاعة كشرط وجوب للحج
قد اتفق الفقهاء على أنَّ الله تعالى فرض الحج على المسلم في العمر مرة واحدة، وقَرَن وجوب أداء فرضيته بالاستطاعة؛ فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم.
وقد أجمع المسلمون على أنَّ الاستطاعة هي شرط لوجوب الحج؛ قال الإمام محيي الدين النووي في "المجموع" (7/ 63، ط. دار الفكر): [الاستطاعة شرط لوجوب الحج بإجماع المسلمين] اهـ.
كما جعل الشرع الشريف أداء العمرة مِن أفضل العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى؛ لِمَا فيها من تكفيرٍ للذنوب، واستجابة للدعوات، وهي سُنَّة مُؤكَّدة على المسلم المستطيع أداؤها في العمر مرة واحدة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينهُمَا، والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّة» متفق عليه.
قال الإمام محيي الدين النووي في "شرحه على صحيح مسلم" (9/ 117-118): [هذا ظاهر في فضيلة العمرة، وأنها مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين] اهـ.
وهذا القول هو صحيح مذهب الحنفية، والمشهور عند المالكية، وقولٌ للشافعية، ورواية للحنابلة، وهو المختار للفتوى، كما قَرَّره البدر العَيْني الحنفي في "البناية" (4/ 461، ط. دار الكتب العلمية)، والعلامة أبو عبد الله الخَرَشي المالكي في "شرحه على مختصر خليل" (2/ 281، ط. دار الفكر)، والإمام محيي الدين النووي الشافعي في "روضة الطالبين" (3/ 17، ط. المكتب الإسلامي)، والإمام علاء الدين الـمَردَاوي الحنبلي في "الإنصاف" (3/ 387).
أقوال الفقهاء في وجوب الحج على التراخي أم على الفور
مع اتفاق الفقهاء على أَنَّ الحج فَرضٌ على المستطيع إلَّا أنَّهم اختلفوا في كون أداء فريضة الحج على الفور أو التراخي على تفصيلٍ بينهم في ذلك:
فذهب الحنفيةُ في أصحِّ الروايتين عن الإمام، والمالكيةُ في الراجح عندهم، والحنابلةُ إلى أنَّ أداء فريضة الحج تجب على الفور إذا توافرت للمسلم شروط الاستطاعة، وسَبَّبوا ذلك بأنَّه قد يواجهه حال تركه الفور ما يؤخره عن الأداء أو يحول بينه وبينه مطلقًا كالموت، وعلى ذلك إن استطاع أداءها بنفسه وماله ولم يؤدها دون عذر أو سبب وقع عليه إثم.
قال الإمام البدر العَيْني في "البناية شرح الهداية" (4/ 141): [ (ثم هو) ش: أي الحج م: (واجب على الفور عند أبي يوسف)... (وعن أبي حنيفة -رحمه الله- ما يدل عليه) ش: أي وروي عن أبي حنيفة -رحمه الله- ما يدل على أنه على الفور مثل قول أبي يوسف، وهو ما قاله ابن شجاع، كان أبو حنيفة -رضي الله عنه- يقول: من كان عنده ما يحج به وكان يريد التزوج فإنه يبدأ بالحج لأنه فريضة. وهذا يدل أنه على الفور، وفي "المحيط" و "المرغيناني" و "الكرماني" أن أصح الروايتين عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أنه على الفور] اهـ.
وقال الشيخ خليل المالكي في "التوضيح" (2/ 486، ط. مركز نجيبويه للمخطوطات): [وسُئِل مالك -رحمه الله- عن الرجل العزب لا يكون عنده إلَّا ما يتزوج به أو يحج؟ قال: يحج. ولا شك في هذا القول بأنَّه على الفور] اهـ.
وقال الإمام الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 473، ط. دار الفكر) في كلامه عن مسألة الفورية والتراخي في الحج: [القول بالفور أرجح، ويُؤيِّد ذلك أنَّ كثيرًا من الفروع التي يذكرها المصنف في الاستطاعة مبنية على القول بالفور] اهـ.
وقال الإمام الموفَّق ابن قُدَامة في "المغني" (3/ 232، ط. مكتبة القاهرة): [مَن وجب عليه الحج، وأمكنه فعله، وجب عليه على الفور، ولم يجز له تأخيره] اهـ.
وذهب الشافعية إلى القول بأنَّ الحج لا يجب على الفور وإنما يجب على التراخي، ولا يأثم المسلم المستطيع إذا أَخَّر الإتيان به ولو كان مستطيعًا، ، وذلك بشرط العزم على الفعل في المستقبل، وألا يتضيق عليه الوقت بنذر أو قضاء، وإلَّا وجب على الفور.
قال الإمام محيي الدين النووي في "المجموع" (7/ 102): [إذا وُجدت شروط وجوب الحج وَجَب على التراخي على ما نَصَّ عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب] اهـ.
وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 207، ط. دار الكتب العلمية): [ويُسنُّ لمن وجب عليه الحج أو العمرة ألَّا يُؤخِّر ذلك عن سَنَة الإمكان؛ مبادرةً إلى براءة ذمته، ومسارعةً إلى الطاعات؛ قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، وإن أخَّر بعد التَّمكُّن وفعله قبل أن يموت لم يأثم؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أخَّره إلى السنة العاشرة بلا مانع، وقيس به العمرة، لكن التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الفعل في المستقبل كما مر بيانه في الصلاة، وألا يتضيق بنذر أو قضاء] اهـ.
حكم تزويج الابن قبل أداء الحج والعمرة
الأصل هو وجوب خروج المكلف لأداء الحج وتقديم ذلك على تزويج الابن، متى توفرت لديه الاستطاعة، وذلك تحقيقًا لركن عظيم من أركان الإسلام الخمسة وهو ركن الحج، كأن يغلب على ظن الأب المتمكن من الحج أنَّه لو أنفق ماله في تزويج الابن لن يتمكن ثانيةً مِن أداء فريضة الحج، ففي هذه الحالة يتعيَّن عليه إنفاقه في الحج، وحَرُم إنفاقه في غيره مما لم يكن من الضروريات أو الحاجيات التي تنزل منزلة الضرورة.
فإذا دعت الضرورة إلى تزويج الابن لظَنِّ الوقوع في الـمُحرَّم وعدم قدرته على تلك النفقات جاز تقديم التزويج حينئذٍ، مع العزم على الخروج لأداء الحج بعد ذلك متى زالت تلك الضرورة؛ وذلك لما تقرَّر في القواعد الشرعية أنَّ "رعاية دَرْءِ الْمَفَاسِدِ أولى مِنْ رعاية حُصُولِ المصالح"، وأنَّ "الضرر يُزال"، و"الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف"، و"إذا تعارضت مفسدتانِ روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" -كما في "الفروق" للإمام القَرافي (4/ 237، ط. عالم الكتب)، و"المنثور في القواعد" للزَّرْكَشِي (2/ 317-320، ط. أوقاف الكويت)، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص: 84-87، ط. دار الكتب العلمية)-، لا سيَّما وقد تواردت نصوص الفقهاء في خصوص جواز تقديم الزواج على الحج على سبيل العموم، ومن ذلك ما أورده الإمام القَرَافي في "الذخيرة" (3/ 177، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال سند: قال مالك: ويُقَدَّم الحج على زواجه ووفاء دَيْن أبيه ولو قلنا إنَّ الحج على التراخي؛ خشيةَ العوائق، والحج قُرْبة، والنكاح شهوة، وإن قلنا على الفور وَجَب، ودَيْنُ الأب لا يجب، إلَّا أن يخاف العَنَت فيتزوَّج؛ لأنَّ مفاسد الزنا أعظم] اهـ.
وقال الإمام الشِّيرازي في "الـمُهَذَّب" (1/ 362، ط. دار الكتب العلمية): [وإن احتاج إلى النَّكاح وهو يخاف العنت قُدِّم النكاح؛ لأنَّ الحاجة إلى ذلك على الفور، والحج ليس على الفور] اهـ.
ويُؤكِّد هذا المعنى الإمام الرَّافِعي في "الشرح الكبير" (3/ 286، ط. دار الكتب العلمية) إذ يقول بعد كلامه عن وجوه استطاعة النفقة في الحَجِّ: [إذا مَلك مالًا فاضلًا عن الوجوه المذكورة لكنَّه كان محتاجًا إلى أن ينكح خائفًا مِن العَنَت فصَرْف المال إلى مؤن النكاح أهم مِن صرفه إلى الحج، هذه عبارة الجمهور، وعَلَّلوه بأنَّ حاجة النكاح ناجزة والحج على التراخي، والأسبق إلى الفَهْم من التقديم الذى أطلقوه أنَّه لا يجب الحج والحالة هذه، فيصرف ما يملكه إلى مؤنات النكاح، وقد صَرَّح الإمام بهذا المفهوم] اهـ.
وقال الإمام الموفَّق ابن قُدَامة في "المغني" (3/ 217): [وإن احتاج إلى النكاح وخاف على نفسه العَنَت قُدِّم التزويج؛ لأنَّه واجب عليه، ولا غنى به عنه، فهو كنفقته، وإن لم يخَفْ، قدم الحج؛ لأنَّ النكاح تَطوُّع، فلا يُقَدَّم على الحج الواجب] اهـ.
خلاصة القول الحج أم تزويج الابناء؟
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالأصل أنَّ أداء فريضة الحج مُقدَّم على زواج الابن إذا كانت هذه هي الـمَرَّة الأُولَى التي تقوم فيها بأداء مناسك الحج، أي أنها حَجَّة الإسلام، فكان الأَولَى بالأداء شرعًا، فإن كان الابن لا يطيق الانتظار وخِيفَ عليه الوقوع في الحرام قُدِّم الزواج على الحج بشرط العزم على الخروج لأداء الحج بعد ذلك متى تيسَّر إلى ذلك سبيلًا، وأَمَّا العمرة فهي سُنَّة يجوز لك المفاضلة بينها وبين زواج الابن أيُّهما أَوْلَى على حسب الحال.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
_______________
المصدر: دار الإفتاء المصرية
اقرأ ايضا: